أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
8
نثر الدر في المحاضرات
قيل لأعرابي : ما وراءك ؟ قال : خلّفت أرضا تتظالم معزاها يقول : سمنت ، وأشرت ، فتظالمت . قال سعيد بن سلم : كنت واليا بأرمينيّة فغبر أبو دهمان الغلّابي على بابي أيّاما فلما وصل مثل بين يديّ قائما بين السّماطين فقال : إني واللّه لأعرف أقواما لو علموا أن سفّ التراب يقيم من إصلاح أولادهم لجعلوه مسكة « 1 » لأرماقهم « 2 » إيثارا للتنزه عن عيش رقيق الحواشي ، أما واللّه إني لبعيد الوثبة ، بطيء العطفة ، إنه واللّه ما يثنيني عليك إلا مثل ما يصرفك عني ، ولأن أكون مقلّا مقرّبا ، أحبّ إليّ من أن أكون مكثرا مبعدا واللّه ما نسأل عملا لا نضبطه ولا مالا إلا ونحن أكثر منه ، إن هذا الأمر الذي صار في يدك ، قد كان في يد غيرك ، فأمسوا وللّه حديثا ، إن خيرا فخيرا ، وإن شرّا فشرّا فتحبّب إلى عباد اللّه . يحسن البشر ولين الجانب ، فإن حبّ عباد اللّه موصول بحبّ اللّه ، وبغضهم موصول ببغض اللّه وهم شهداء اللّه على خلقه ، ورقباء على من اعوجّ عن سبيله . دخل على المهدي « 3 » وفود خراسان فقام رجل منهم فقال : أطال اللّه بقاء أمير المؤمنين ، إنا قوم نأينا عن العرب ، وشغلتنا الحروب عن الخطب ، وأمير المؤمنين يعرف طاعتنا ، وما فيه مصلحتنا ، فيكتفي منّا باليسير دون الكثير ، ويقتصر منا على ما في الضمير دون التفسير فقال أنت خطيب القوم . قال أبو عمرو بن العلاء « 4 » : رأيت أعرابيّا بمكة فاستفصحته فقلت ممّن الرجل ؟ قال : أسديّ يريد أزديّ قلت : أين بلدك ؟ قال : عمان قلت : صف لي بلدك ، فقال : بلد صلدح ، وكثيب أصبح ، وفضاء صحصح قلت : ما مالك ؟ قال : النخل . قلت : أين أنت من الإبل ؟ قال : إن النخل ثمرها غذاء ، وسعفها ضياء وكربها صلاء وليفها رشاء ، وجذعها بناء ، وقرؤها إناء قلت : أنّى لك هذه
--> ( 1 ) المسكة : ما يمسك الأبدان من طعام وشراب . ( 2 ) الأرماق : جمع رمق ، وهو بقية الحياة . ( 3 ) المهدي : هو محمد بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي العباسي أبو عبد اللّه ، المهدي باللّه ، من خلفاء الدولة العباسية في العراق ، توفي سنة 169 ه ( الأعلام 6 / 221 ) . ( 4 ) أبو عمرو بن العلاء : هو زبان بن عمار التميمي المازني البصري ، أبو عمرو ، من أئمة اللغة والأدب ، أحد القراء السبعة ، توفي سنة 154 ه ( الأعلام 3 / 41 ) .